الاستعمار لغةً:

تعني كلمة استعمار لغةً، إصلاح منطقة خرِبة وتعميرها. وهذا يأتي في تفسير الجذر: عمر، من الوزن: استفعل، ومنه استصلح واستسقى واستقرأ واستخبر وغيرها كثير. والاستعمار على المستوى اللغويّ السليم يمكن أن يكون منطقيّاً ومفهوماً إذا ما قام شخصٌ ما باستعمار أرضه، لأن الاستعمار في مفهومه المنطقي اللغوي لا يكون أحاديّ الاتجاه في تفسيره ومنطقيّ الطرح، إلا إذا كان مبرّراً من حيث معناه المنطقي، فلا يجوز أن أستعمر أرض غيري إلا إذا كان ذلك عن طيب نفس منه، ويجوز لي أن أستعمر أملاكي دون إذن من أحد.

الاستعمار اصطلاحاً:

لأن الاستعمار لغةً لا يستقيم مع النوايا الاستعمارية العارية من المنطق، فلقد اصطلح أصحاب النوايا الخبيثة هذا المصطلح الذي ما جاء إلا لتبرير أعمالهم وسرقتِهم أراضيَ الشّعوب وخيراتِها. والاستعمار اصطلاحا له وجهان يعملان على تغيير منطقه اللغوي ومعناه القاموسي.

أما الوجه الأول، فهو الوجه السياسي للمصطلح، وهو مرتبطٌ بصورةٍ وثيقةٍ بالمفاهيم الاقتصادية. فلقد أراد المستعمر أن يضفي على المصطلح صبغةً سياسية تستولي على اقتصاد الشعوب ومواردها، وتكون في الوقت ذاته مبرّرةً بحيث أنه يريد في طرحه هذا المصطلحَ أن "يضحك على ذقون" الشعوب وأن يفهما أنه يريد أن يصلح لهما ما لا يمكن أن تصلحه الشعوب بأيديها. وأما الوجه الثاني، فهو البعد العسكري للمصطلح.

فلا يمكن أن يتمّ أي شكل من أشكال الاستعمار التقليديّ دون خطوات عسكرية يحتل بواسطتها المستعمِرُ بلداً ما. والمشكلة في هذا هي الإجابة عن السؤال الذي طالما أرق المستعمِر وفي الإجابة عنه سرّ انهزام الاستعمار تاريخيّا: كيف يمكن أن يقنعَ المستعمِرُ المستعمَرَ بأنه قادمٌ ليحييَ أرضه "البور" وقد ولج أرضه بالآليات العسكرية؟

لطالما حاول المستعمر أن يقنع المستعمَر بأنه طبيبٌ يوجه من أجل أن يشفيه، وكانت هذه كذبةً صدقها الاستعمار، وغفل عن أن المستعمَر لم يصدّقها. وهذا هو سر دحر الاستعمار على يد جميع الشعوب وعلى مدار التاريخ الاستعماري الحديث.

إذن فبمجرّد النظر إلى الكلمة ومعناها، نستطيع أن نلاحظ مستوى الخبث الذي يشوبها. فالذي يريد أن يستعمر أرضاً ما، فيجب أن تكون بالضرورة أرضاً لا معمِّرَ لها ولا خادمَ يخدمها ويحميها.

مع العلم بأن تاريخ الاستعمار الذي بدأ منذ نصف ألفية من الزمن –بمفهومه الحديث- لم يلج أرضاً بوراً ولم تطأ قدماه منطقةً لا شعبَ فيها يخدم أرضه ويذود عنها بالغالي قبل الرخيص.

وكانت بريطانيا السباقة لاستعمار الشعوب، بل فإنها هي التي جلبت كلمة الاستعمار إلى الوجود ونادت بها بمفهومها الاصطلاحي الخبيث. وبما أن الدهرَ ذو دولٍ، فقد لعب مفهوم توازن القوى دوراً هاماً في الحطّ من قوة بريطانيا، ورفع قدر أمريكيا بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن أمريكيا -التي هي بالأساس مستعمرةٌ بريطانية، إذ أن الفايكنج جاسوا أرض القارة الأمريكية ليستولوا على خيرات الهنود الحمر- لم تتّعظ مما حدث لبريطانيا في مستعمراتها بل انتعلت حذاء الاستعمار البالي الذي خلعته بريطانيا، التي غدت تركب ذيل الأمريكان في الفترة الأخيرة. وبالرغم من أنه من المثير للعجب أن تغامر بريطانيا بكرامتها وتركب الذيل الأمريكي، إلا أن المصلحة السياسية قد تجعل البرغماتيين يتنازلون عما هو أنفس من ذلك.

ونستطيع أن نرى هذا في التحالف الأنجلو-أمريكي الذي احتلّ العراق عام 2003. ولعلّ التاريخ لا يسمح بالتزييف وإن حاول المزيفون ذلك. فمجرد التسمية التحالف الأنجلو-أمريكي والتي يظهر فيها اسم بريطانيا في أول المصطلح، لعل هذه التسمية تشهد بأن بريطانيا هي السباقة للاستعمار. 

وكان الاستعمار حذاءً انتعلته بريطانيا إلى أن بلي في قدميها، فأرادت أن تخلعه لتجدّده بحذاء آخر. ولعلّ أسباباً كثيرةً حملت بريطانيا على خلع حذاء الاستعمار الملوث بدماء أبنائها ودم أبناء الشعوب الأخرى أذكر منها: أن بريطانيا أيقنت أنها سقطت في مستنقع يصعب الخروج منه، هو مستنقع المقاومة التي واجهتها في مستعمراتها، لذلك أرادت أن تترك هذه المستعمرات. وقد حدث ذلك في كثير من مستعمراتها كالهند والوطن العربي.

أما أمريكيا التي فرحت بالحذاء الممزق البريطاني، فقد أرادت أن تعتمد طريقة جديدة للاستعمار ، انتعلتها حذاءً جديداً في قدميها،  وهي طريقة الاستعمار من الخارج، واستطاعت –مدعومة بالغرب الذي لحق بركبها بما في ذلك بريطانيا- أن تصدّر لكثير من أقطار العالم ثقافةً رخيصةً تقتل مفاهيم الثقافة والأخلاق والأصول في كل شيء، ولعلّ ذلك ساعدها على ترويج بضائعها في الأسواق العالمية، وعلى ترويج بضائعها غير الأخلاقية لدى الشعوب. وأضيف إلى ذلك أنها بنت قوّتها بعقول استعمرتها واشترتها بأموالها، فكانت سباقة هي الأخرى في إيجاد أشكال جديدة للاستعمار، استطاعت في بعضها أن تغيّر من تقليدية المصطلح، بعدم الحاجة إلى الجيوش والخبرات العسكرية في بعض أشكال الاستعمار.

وخلاصة القول: إن بريطانيا وأمريكيا كمحتكرتين للاستعمار في مفاهيمه وأشكاله المختلفة، إنما حاولتا تطبيق مفهوم جديد للاستفادة من الآخر. فما خلق الإنسان إلا ليؤدّي دورا في حياته، والجميع بحاجة إلى الجميع وجميع الخبرات قد تتجمع من أجل صنع شيء بسيط، كما يذكر ابن خلدون في مقدمته. ولكن شكل الفائدة التي بحثت عنه بريطانيا وأمريكيا، إنما كان شكلاً انتهازيا ينفع طرفاً دون الآخر، وهذا تحايل على القوانين الطبيعية التي خلقها الله في البشر، وهو تحريف للحقيقة الإنسانية وإشعال لروح الشحناء والبغضاء في العالم.

ومهما يكن من أمر، فإن المستعمر وإن طالت حياة حذاء الاستعمار في قدميه، فلا بد أن يخلعه في يوم ما، وأن لم يفعل، فلسوف تنزعه الشعوب عن قدميه لتلطمه به على رأسه ووجهه.