تعد ظاهرة التحرش الجنسي بالأطفال من الظواهر الجديدة والدخيلة على مجتمعاتنا ولاتعتبر هذه الظاهرة وليدة اللحظة ولكنها استفاقت من غيبوبتها لتدق أجراس الخطر... "عربيات" تتناول اليوم هذه الظاهرة وأسبابها وانعكاساتها النفسية وكيفية علاجها في هذا التحقيق . 

أرقام عربية 

وفقاً لموقع " إسلام أون لاين " هناك بعض الدول العربية أعلنت عن بعض الإحصاءات الخاصة بالتحرش الجنسي بالطفل داخل إطار العائلة، مع العلم أن ما يتم الإبلاغ عنه إلى السلطات المختصة لا يتجاوز نسبة ضئيلة مقارنة بالحالات الحقيقية نتيجة حالة السرية والصمت التي تحيط بهذا النوع من الاعتداء، كما سبق أن بينا توًا، وفيما يلي الإحصاءات:
- في الأردن: تؤكد عيادة الطبيب الشرعي في وحدة حماية الأسرة بالأردن أن عدد الحالات التي تمت معاينتها خلال عام 1998 قد بلغ 437 حالة، شملت 174 حالة إساءة جنسية، كان المعتدي فيها من داخل العائلة في 48 حالة، وكان المعتدي معروفا للطفل الضحية (جار – قريب) في 79 حالة، وفي 47 حالة كان المعتدي غير معروف للطفل أو غريبا عنه.
- في لبنان: أظهرت دراسة صادرة عن جريدة "لوريان لوجور" أن المتحرش ذكر في جميع الحالات، ويبلغ من العمر 7 - 13 عامًا، وأن الضحية شملت 18 فتاة، 10 أولاد تتراوح أعمارهم ما بين سنة ونصف: 17 سنة، وأشار المؤتمر اللبناني الرابع لحماية الأحداث إلى ارتفاع عدد الاعتداءات الجنسية على القاصرين خاصة الذكور منهم على يد أقرباء لهم أو معتدين قاصرين.
- في مصر: تشير أول دراسة عن حوادث التحرش بالأطفال في مصر أعدتها الدكتورة "فاتن عبد الرحمن الطنباري" -أستاذة الإعلام المساعد في معهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس- إلى أن الاعتداء الجنسي على الأطفال يمثل 18% من إجمالي الحوادث المتعلقة بالطفل، وفيما يتعلق بصلة مرتكب الحادث بالطفل الضحية أشارت الدراسة إلى أن النسبة هي 35% من الحوادث يكون الجاني له صلة قرابة بالطفل الضحية، وفي 65% من الحالات لا توجد بينهم صلة قرابة. 

آراء 

علي العبد اللطيف ينظر للطفل الذي تعرض للتحرش الجنسي بالشفقة ويقول : " لابد أن نتعامل مع الطفل الذي تعرض لحادث من هذا النوع بحرص أكبر ونحيطة بعناية فائقة واهتمام حتى لا يقع فريسة لما هو أشد وطأة من التحرش, وبالنسبة لشعور الطفل فبكل تأكيد سيمر بحالة من الانعزالية والخوف ولابد أن نهيئ له البيئة الكفيلة بعلاج هذه الحالة فمثلاً بالإمكان الانتقال من المنزل أو الابتعاد عن المكان الذي يرتبط في ذهنه بهذه الحادثة والاقتراب من تفاصيل حياته للحيلوله دون تكرارها والتدخل في الوقت المناسب " .

وفاء غزاوي تقول : " إذا – لاسمح اللهتعرض أحد أبنائي للتحرش فلن أرضى بغير أن ينال المجرم عقوبة شديدة... أما الطفل الذي تعرض لذلك فأرى ضرورة إحاطته بالحنان والرعاية لينهض من هذه الأزمة وينخرط مجدداً في حياته بشكل طبيعي مثل أقرانه " .

بسمة عبد الله تؤكد على أهمية الجانب النفسي للطفل فتقول :" لابد من إعادة تأهيل الطفل نفسياً وتوعيته وزرع الثقة في نفسه وفتح المجال أمامه ليعبر عن نفسه ويتحدث عن أسراره مع والده ووالدته حتى لايتكرر هذا الأمر... كما على الأسرة أن تبلغ الجهات المعنية عن الحادثة فور وقوعها أو حتى بمجرد التأكد من وجود مؤشرات لاحتمال وقوعها على الطفل دون تردد ".


ميادة زعزوع ترى بأن هناك فجوة بين أفراد الأسرة فتقول : " هذه الفجوة هي التي تترك المجال متاحاً لوقوع تحرشات جنسية ضد الأطفال دون علم ذويهم ودون وعي لدى الطفل لمواجهة ذلك، وبكل أسف أن المجتمع ظالم ولا يرحم من يقعون تحت هذه الظروف بل ينظر لهم نظرة دونيّة لا تنم إلا عن القسوة والجهل " ... وتؤكد ميادة على أهمية إرساء مبدأ الصراحة والمكاشفة بين الأطفال وذويهم كي يتم تدارك المشاكل، مع الابتعاد عن العنف والعصبية المفرطة في التعامل مع الأطفال... وتصف التحرش الجنسي بأنه مرض عضال لن يتم الشفاء منه بسهولة إلا بتضافر الجهود . 

رأي الطب النفسي 

كان لنا لقاء بالدكتور ( عبدالله الشافي ) الأخصائي الاجتماعي, والذي أجرى دراسات عديدة حول هذه الظاهرة في العالم العربي.

عربيات: د. عبدالشافي في البداية السؤال الذي يطرح نفسه قبل الخوض في تفاصيل التحرش الجنسي هو عن دور التوعية، فهل ترى أنه يوجد برامج توعية ومؤتمرات وندوات تقدم بالشكل المطلوب في العالم العربي حول هذا الموضوع؟ 
د. عبدالله الشافي: للأسف لاتزال المؤسسات العربية غير قادرة على دعم هذه المؤتمرات فكرياً أو معنوياً أو مادياً بالشكل المطلوب، مع ذلك لو أجرينا مقارنة بين المشرق والمغرب العربي لوجدنا أن المغرب العربي أقام بالفعل بعض المؤتمرات حول هذه الظاهرة وخرجت من تلك المؤتمرات توصيات وبحوث عديدة, لكن للأسف لم تجد الدعم الكافي... من الأهمية بمكان تثقيف المجتمع من عدة جوانب أهمها وببساطة أن يكون الشخص قادر على معرفة تفاصيل قضية من هذا النوع ليتمكن من التعامل بدقة مع الأشخاص المتسببين بهذه الظاهرة أو المتضررين منها أيضاً.

عربيات: انتشرت المواقع الطبية على الشبكة العنكبوتية والعيادات النفسية والاجتماعية, وتم إنشاء مواقع لمكافحة التحرش الجنسي, فماهو تقييمك لهذه المبادرات الإلكترونية؟
د. عبدالله الشافي: عالم الانترنت عالم مذهل وهنيئا لمن يعي كيفية استخدامه والاستفادة منه على الصعيد الشخصي أو لتوعية مجتمعه... بشكل عام انتشار هذه المواقع يدل على نضج المجتمع واكتمال الوعي لديه حول أهمية التقنية واستخدامها لتحصيل المعلومات, ولكن فيما يختص بمواقع مكافحة التحرش الجنسي فهي مواقع تُعد على الأصابع, ونجدها تبني وتقوّم من جهة و تهدم من جهة أخرى, وذلك لأنها غالباً لاتستند إلى وجود مختصين وتفتقد لمتابعة القضية كما أنها تتسرع في طرح الحلول... مجتمعنا العربي يعيش ثورة تقنية وفكرية وخلال السنوات الماضية أثبت أنه يستطيع التعامل مع هذه العيادات والمواقع الاجتماعية, ولكن مازالت هناك نقطة مهمة وهي أن تلك المواقع تحتاج لدعم مادي أيضاً وهي قائمة حالياً على حساب متبرعين بذلك أو متطوعين.

عربيات: هل غياب الثقافة الجنسية لدى الأطفال تحديداً والمجتمع بشكل عام كانت أحد الأسباب في انتشار مثل هذه القضايا؟
د. عبدالله الشافي: لا يخفى على أحد مدى أهمية الثقافة الجنسية خصوصاً في عصر الفضائيات والتقنية التي هيئت لكل عابث أسهل الطرق لمعرفة من أين تؤكل الكتف, في أحد المؤتمرات في المغرب طالب العديد من المفكرين بتدريس مادة تعنى بالثقافة الجنسية وترتكز حول التثقيف الجنسي من جميع النواحي وتعليم الأطفال طرق التعامل مع وحوش المجتمع, أما في المشرق فما أن يرتفع الصوت حتى يأتي من يسكته وكل في فلكٍ سائرون.

عربيات: هل يختلف أثر التحرش الجنسي باختلاف علاقة مرتكبه بالطفل؟ على سبيل المثال لو كان التحرش من قبل الأقارب هل سيكون وقعه على النفس أشد مما لو كان لا يمت للعائلة بصلة؟
د. عبدالله الشافي: عندما تأتي المشكلة من الأقارب فهي أسوأ بالتأكيد لأن الطفل سوف يصاب بصدمة من أقرب الناس إليه ومن أشخاص يراهم على الدوام في محيطه فيتزايد قلقه من إمكانية تكرار الحادث... ويسبب هذا الأمر للطفل اضطرابات نفسية جسيمة قد تسهم في أن تدفعه للتصرف بعدوانية نحو أقاربه .

وفي لقاء "عربيات" مع البروفيسور أمل المخزومي حول نفس المشكلة نتطرق للأسباب والحلول العملية التي يمكن تطبيقها .

عربيات: بروفيسور أمل برأيك ماهي أسباب نشوء هذه الظاهرة؟
أ. د. أمل المخزومي: تتداخل الأسباب في وجود هذه المشكلة في مجتمعنا المحافظ وأهمها ما يلي:
1 )
يحيط الخجل بموضع الجنس والحذر من التحدث عن ما يتعلق به، إضافة إلى أن الآباء والمربين كثيرا ما يصيبهم الارتباك عندما يلح الطفل أو المراهق في السؤال عن الأمور الجنسية والتي يعتبرها طبيعية وبالتالي يلجأ هؤلاء الأطفال والمراهقون إلى وسائل أخرى للحصول على الاجابات، وقد يقعون أحيانا بـ"مطبات" الانترنيت أو أصدقاء السوء و يتم توضيح الأمر بشكل ممارسة شاذة أو التعرف على تلك الممارسات الشاذة عبر المواقع الإباحية أو بعرض أفلام لا أخلاقية وبالتالي على معلومات من المصادر الخاطئة سراً خوفا من غضبة الآباء والمربين وقد ينكشف أمرهم ولكن بعد وقوع المحذور، أو لا ينكشف أمرهم وبالتالي يستمر التعاطي الخاطئ للمعلومات .
2 )
يخجل الآباء من التحدث وتوضيح ما يجب توضيحه عن الأمور الجنسية فيفتقد الطفل للتوعية وهذا قد يؤدي به إلى ممارسة بعض السلوكيات المتعلقة بالجنس من منطلق حب الاستطلاع أو التقليد وبالتالي يجد لتلك الممارسة لذة و يكررها سرا وتصبح لديه عادة .

عربيات: هل بالإمكان حصر الوسائل التي ينبغي على الأهل اتباعها لتوعية الأبناء ليكونوا بمنأى عن هذه المخاطر؟
أ. د. أمل المخزومي: من الطبيعي أن الوقاية خير من العلاج وتتم وقاية الأبناء وحمايتهم من شرور الوقوع بهذه المخاطر بعدة وسائل سأذكر منها مايلي:
1
ـ ينبغي توعية الأطفال منذ الصغر بشتى الطرق والوسائل المتاحة والممكنة .
2
ـ مراقبة الكبار اللصيقة للأطفال أثناء لعبهم بعيدا عن التسلط.
3
ـ ينبغي التأكد من نوعية علاقة الكبار بالأطفال وسلامة نيتهم مهما كانت قرابتهم للطفل .
4
ـ ينبغي على الأمهات أخذ الحيطة وحماية أطفالهن من المنحرفين وإن كانوا من أفراد العائلة.
5
ـ مراقبة سلوك الخدم وعلاقتهم مع الأطفال .
6
ـ مراقبة مراكز الانترنيت العامة من قبل الجميع إن كانوا مربين أو سلطات أمن أو غيرها كي لا يستغل الأطفال بتدريبهم على ممارسات إباحية أو استدراجهم لها.
7
ـ ينبغي إحاطة الطفل بالحب والحنان وبأجواء التعاون والاطمئنان وإتاحة الفرصة لهم للإفصاح عما يعانون منه .
8
ـ حماية أطفال المدارس من الممارسات السلبية وذلك بعدم تركهم في المرافق مدة طويلة أو في الغرف المهملة والفارغة كي لا يجدوا فرصة لممارسة تلك السلوكيات.
9
ـ مراقبة الأطفال في ذهابهم وإيابهم إن كان للمدرسة أو إلى أماكن أخرى.
10
ـ منع الأطفال وتحذيرهم من الذهاب إلى أماكن مهجورة كي لا يجد المنحرفون فرصتهم للاعتداء عليهم.
11
ـ التفريق بين الأطفال أثناء النوم قدر الإمكان وان كان لابد منه ينبغي مراقبتهم .
12
ـ الحذر من ممارسة الوالدين العلاقة الجنسية قريبا من الأطفال أو حيث يكون بإمكانهم سماع ما يدور بين الوالدين أثناء ذلك .
13
ـ تشجيع الأبناء على الالتزام بتعاليم دينهم وأخلاق مجتمعهم معنويا وماديا وذلك بوضع جوائز لمن يلتزم بتلك الأخلاق الراقية وحسن التصرف والسلوك.
14
ـ ينبغي على وسائل الإعلام الحد من الوسائل التي تساعد على الانحراف من أفلام ومسلسلات وصحف وكتب وأقراص مضغوطة .
15
ـ توفير الشروط المطلوبة للموظفين العاملين في مراكز حماية الناشئة كي لا يقع عليهم الضرر من المنحرفين المتربصين بهم .
16
ـ ينبغي تعاون المؤسسات المسئولة في مراكز الصحة النفسية والخدمة الاجتماعية لنشر ثقافة وتوعية تساعد على حماية الناشئة .
17
ـ تطوير ورفع مستويات العاملين في المؤسسات التعليمية لتقديم التوجيه والإرشاد المناسب للناشئة بشكل عام .
18
ـ افتتاح مراكز مختلفة للتوعية ورعاية الناشئة وتوجيه نشاطاتهم بالشكل الصحي وذلك لحمايتهم من ممارسة السلوكيات المنحرفة والمختلفة .
19
ـ توزيع كتيبات على الأسر تتناول الأمور الجنسية بشكل علمي وأسلوب مقبول لغرض التوعية وحماية الأطفال من هذه المخاطر .

عربيات: أظهرت بعض الدراسات أن معظم الأطفال لا يخبروا ذويهم عن الاعتداءات التي يتعرضوا لها, كيف نستطيع أن نعوّد الطفل على المصارحة؟ 
أ. د. أمل المخزومي: كلما كان الطفل مطمئنا لسلوك الوالدين والكبار الذين يتعامل معهم كلما استطاع أالبوح بأسراره إليهم ويأتمنهم عليها لثقته العالية بهم، كما تساعد التنشئة الاجتماعية السليمة على التفاعل بين الآباء والمربين والأبناء ويؤدي هذا التفاعل الايجابي إلى التعاون والحب والاطمئنان السائد بين الأطراف وإذا سادت مثل هذه الأجواء بين أفراد العائلة عندها تنشأ الصراحة فيما بينهم تلقائياً .

عربيات: إذا وقع التحرش الجنسي على الآباء فماهي الخطوات التي ينبغي على الأهل اتخاذها؟
أ. د. أمل المخزومي: سأدرج إجابتي كنقاط واختصرها فيما يلي:
1
ـ ينبغي فحص المعتدى عليه طبيا للتأكد من سلامته من الالتهابات ومعالجتها إن وجدت في أسرع وقت ممكن.
2
ـ مساعدته من الناحية النفسية وذلك بعرضه على طبيب نفسي أو معالج نفسي.
3
ـ فحص الفتاة التي تعرضت للاعتداء للتأكد من عفتها ومساعدتها على تخطي الأزمة وتهيئتها للزواج بشكل اعتيادي.
4
ـ تجنب الاستهزاء بمن وقع الاعتداء عليه .
5
ـ تجنب إطلاق الصفات على من وقع عليه الاعتداء كالجبان أو الضعيف... الخ من الصفات التي تعمل على تحطيمه .
6
ـ مساعدة الضحية على توضيح ما حدث له والاستماع له بكل هدوء وضبط أعصاب كي يطمئن الطفل ويتحدث بحرية تامة .
7
ـ تجنب التشهير بمن وقع عليه الاعتداء .
8
ـ علاج الموقف بالمنطق والحكمة والروية إن وقع اعتداء على الأبناء لا سمح الله بعيدا عن الاندفاع والتهور.
9
ـ توفير النشاطات المختلفة لمن وقع عليه الاعتداء وذلك لإبعاده عن التفكير واجترار الحادث .
10
ـ حمايته من التعرض للإصابة بالكآبة والخوف والوسواس وكره الحياة وغيرها من الأمراض النفسية وذلك عن طريق تخفيف الصدمة عنه .
11
ـ ينبغي التأكد من ادعاء الطفل في هذا المجال قد يكون خياله الواسع هو الذي يدفعه لسرد تلك الأحداث.
12
ـ يمكن تبديل مكان سكن العائلة إن أمكن وذلك للتخلص من تقولات الآخرين وحماية الطفل من الصراعات النفسية التي تسببها له تلك التقولات .
13
ـ تدريب الطفل على ممارسة تمارين الاسترخاء وتمارين التنفس للتخلص من التوتر الذي يعاني منه.
14
ـ معاقبة المعتدي بشكل قانوني كي لا يتكرر ذلك السلوك المشين.