جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم، وبالحديث القدسي، والحديث النبوي، وقد اتفق العلماء على أن لفظ القرآن الكريم ومعناه من عند الله تعالى، لأنه كلام الله تعالى الذي نزل به جبريل الأمين عليه السلام، على قلب سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، المنقول إلينا بالتواتر، والذي نزل على سبيل الإعجاز والتحدي. فرسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى القرآن باللفظ والمعنى من عند الله تعالى. أما الحديث القدسي فهو: ما أضافه رسول صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى من غير القرآن الكريم، وقد اتفق العلماء على أن معنى الحديث القدسي من عند الله تعالى. ولكنهم اختلفوا في لفظه، هل هو من عند الله تعالى ؟ أو من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

وينتصر الأستاذ الكبير الدكتور محمد عبد الله دراز للرأي القائل، بأن لفظ الحديث القدسي من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول عن هذا الرأي، وهذا أظهر القولين فيه عندنا، لأنه لو كان منزلا بلفظه لكان له من الحرمة والقدسية في نظر الشرع ما للنظم القرآني، إذ لا وجه للتفرقة بين لفظين منزلين من عند الله، فكان من لوازم ذلك وجوب المحافظة على نصوصه، وعدم جواز روايته بالمعنى إجماعا ، وحرمة مس المحدث لصحيفته، لا قائل بذلك كله. وأيضا فإن القرآن لما كان مقصودا منه مع العمل بمضمونه شيء آخر، وهو التحدي بأسلوبه والتعبد بتلاوته إحتيج لإنزال لفظه، والحديث القدسي لم ينزل للتحدي ولا للتعبد بل لمجرد العمل بما فيه وهذه الفائدة تحصل بإنزال معناه، فالقول بإنزال لفظه قول بشيء لا داعي في النظر إليه. ولا دليل في الشرع عليه، اللهم إلا ما قد يلوح من إسناد الحديث القدسي إلى الله بصيغة، يقول الله تبارك وتعالى كذا، لكن القرائن التي ذكرناها آنفا كافية في إفساح المجال لتأويله بأن المقصود نسبة مضمونة لا نسبة ألفاظه، وهذا تأويل شائع في العربية، فإنك تقول حينما تنشر بيتا من الشعر، يقول الشاعر كذا، وتقول حينما تفسر آية من كتاب الله بكلام من عندك: يقول الله تعالى كذا، وعلى هذه القاعدة حكى الله عن موسى، وفرعون، وغيرهما، مضمونا كلامهم بألفاظ غير أسلوبهم، ونسب ذلك إليهم.

والخلاف في هذا الأمر يسير ومحتمل، وليس ذا خطر كبير أو صغير، فسواء كان لفظ الحديث القدسي من عند الله تعالى أم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو وحي أوحاه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلينا أن نحدد الفروق بينه وبين القرآن الكريم، حتى تتميز خصائص كل منهما. ولكن قبل ذلك علينا أن نعرف الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي، مع ذكر جملة من الأشياء تتعلق بالحديث القدسي.

الفرق بين الحديث القدسي والنبوي: يعد العلماء الحديث النبوي من قبيل الوحي، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يعبر عن المعاني بألفاظ من عنده، وعلى ذلك فإن لفظ الحديث من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم باتفاق الأمة، ولذلك ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الحديث القدسي فإنه ينسب إلى الله، وقيدت الأحاديث بنسبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول عنها: الأحاديث النبوية، أما الحديث الذي ينسب إلى الله تعالى فيسمى بالحديث القدسي، والرسول صلى الله عليه وسلم يحكيه عن ربه عز وجل، وإن كان جميع ذلك صادرا عن الوحي الذي أوحاه الله تعالى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

أسماء الحديث القدسي: يسمى بالحديث القدسي نسبة إلى القدس الذي هو الطهارة والتنزيه، وهي نسبة تشريف وتكريم وإجلال، لأن التقديس هو تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، وتقدس بمعنى تطهر، ومن هنا كان من أسماء الله تعالى، القدوس: أي المطهر المنزه عن كل مالا يليق به سبحانه.

ويسمى الحديث القدسي أيضا بالحديث الإلهي، نسبة إلى الله عز وجل، ويسمى أيضا بالحديث الرباني، نسبة إلى الله الرب سبحانه وتعالى.

كيف يروي الحديث القدسي؟ هناك طريقتان لرواية الحديث القدسي: تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل، وهذه العبارة هي التي اختارها السلف، والنووي أيضا، أما المـتأخرون فقد اختاروا أن نقول في رواية الحديث القدسي،قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومؤدى العبارتين واحد لأن الحديث القدسي فيهما ينسب إلى الله تعالى.

موضوع الحديث القدسي والقرآن الكريم ومعه الأحاديث النبوية، واحد،وهو التعرض للأحكام التشريعية التي افترضها الله تعالى على عباده، وبها أيضا تفصيل عقيدة المؤمنين وأركان تلك العقيدة، وفيها تفصيل لذكر الأنبياء السابقين، وأحوال أممهم معهم كما أنها تتعرض لذكر بعض أمور المستقبل، وغير ذلك مما تعرض له القرآن الكريم بإسهاب وبإيجاز، وكذلك الأحاديث النبوية، وبهما أيضا إجابات لأسئلة كثيرة جاءت على لسان المسلمين وغيرهم. أما الأحاديث القدسية فهي، في الغالب، ليس بها أحكام تشريعية، كما أنها ليست إجابات لأسئلة معينة، أو توضيحا لوقائع محددة، كما هو الشأن في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية كما ذكرنا. ولكن الأحاديث القدسية، في جملتها، توجيهات إلهية عظيمة، تحمل في طياتها تصحيح عقيدة المؤمن، وتحريره من كل ما يعكر صفو هذه العقيدة السامية. كما أنها تدعو المؤمن إلى تصحيح سلوكه بما يتفق وهذه العقيدة الصحيحة، وبالأحاديث القدسية أيضا بيان اتصاف لله عز وجل بكل ما يليق به سبحانه من الكمال الإلهي.

عدد الأحاديث القدسية: بلغ بها المحدث الشيخ عبد الرءوف بن علي المعروف بالمناوي والمتوفي سنة 1031 هــ اثنين وسبعين ومائتي، حديث 272 حديثا قدسيا، غير كتاب المناوي منها للنووي، الأحاديث القدسية، وهناك كتاب جمعه طائفة من العلماء تحت إشراف مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة عني بالأحاديث القدسية وشرحها.

ملحوظة هامة: ليس معنى أن الحديث القدسي ينسب إلى الله تعالى أنه يكون صحيح دائما. كلا، وإنما يعتريه ما يعتري الحديث النبوي من صحة وحسن وضعف، وهذا يتطلب منا ألا نروي حديثا قدسيا إلا بعد أن نتأكد من صحته وإمكانية الاحتجاج به، وذلك بتطبيق نفس المقاييس والقواعد التي تطبق على الحديث النبوي، لتمييز صحيحه من ضعيفه. ما هي الفروق بين القرآن الكريم وبين كل من الأحاديث القدسية والنبوية؟